لا نقصد بالكفاءة هنا المفهوم القبلي لها (هذا والله رجال كفو والله والنعم فيه)، إنما المقصود هنا بالسوق الكفؤ هو السوق الذي تعكس فيه الأسعار الحالية جميع المعلومات المتوافرة عن الأسهم المختلفة، وبالتالي فإن المؤمنون بنظرية السوق الكفؤة يرون أن جميع المعلومات الحالية (سواء كانت معلومات مالية أو فنية أو اقتصادية…إلخ) لا يمكن للمستثمر استغلالها لأن أثرها قد انعكس على سعر الأسهم (صعوداً أو نزولاً)، هذا بدوره يعني أنه من الصعب على أي مستثمر التكهن بحركة الأسهم المختلفة في المسقبل وبالتالي من الصعب عليه التغلب على أداء السوق ككل باستمرار إلا نتيحة الصدفة، لذا فعليه فقط أن يحاول محاكاة المؤشر إلى أكبر قدر مع التركيز على تخفيض تكاليف استثماره (من رسوم إدارة ووساطة…إلخ). أما القائلون بأن السوق غير كفؤ فيرون أن أسعار السوق لا تعكس دائماً جميع المعلومات المتوافرة، وبالتالي بإمكان المستثمر النشيط أن يقوم بتحليل بعض المعلومات التي تعطيه رؤية لا تتوفر لغيره مما يمكنه من استغلالها لِلتغلب على أداء السوق باستمرار.
الحقيقة أن الخلاف حول نظرية الأسواق الكفؤة (أي مدى كفاءة الأسواق المالية على النحو المشار إليه بعاليه)، هو من أشد الخلافات ضراوة في عالم الاستثمار. فالاقتصاديون وعلماء المالية وباحثوها يكادون يتفقون على نظرية الأسواق الكفؤة، أما عالم صناعة المال والأعمال لا يزال يرى بأن الأسواق غير كفؤة ويسوق العديد من الأمثلة عليها.
ولمحاولة الإجابة على هذا السؤال للمستثمر الفرد، فقد قُمنا بإجراء دراستين: إحداهما عن السوق الأمريكي والأخرى عن السوق السعودي. وفي كل دراسة قمنا بمقارنة أداء مؤشر السوق ككل مقارنة بمتوسط أو معدل أداء جميع الصناديق الاستثمارية النشطة التي تستثمر في ذلك المؤشر (باعتبار أداء هذه الصناديق هو معيار لمدى نجاح استراتيجية الإدارة النشطة). من واقع هذه الدراسة نتوقع أن السوق الذي يتغلب فيه المؤشر العام على متوسط أداء الصناديق النشطة في ذلك السوق يعتبر سوقاً عالي الكفاءة، بينما السوق التي تتغلب فيه الصناديق النشطة يعتبر سوقاً غير كفؤ.
وقد كانت نتيجة الدراسة أن السوق الأمريكي (أو على الأقل شريحة الشركات الكبرى من السوق الأمريكي) هو سوق عالي الكفاءة بصفة عامة، إذ تغلّب فيه مؤشر ستاندرد آند بورز لأكبر 500 شركة على متوسط أداء الصناديق النشطة التي تستثمر في الشركات الكبرى، وذلك على مدى الفترات الزمنية المختلفة (شهر، وستة أشهر، وسنة، وثلاث سنوات)، وبالتالي فقد كان المستثمر الأمريكي أفضل حالاً لو كان قد استثمر باستراتيجية ساكنة في المؤشر الأمريكي للأسهم الكبرى. أما السوق السعودي فقد ظهر أنه سوق غير كفؤ (على عكس السوق الأمريكي)، حيث كان متوسط أداء الصناديق الاستثمارية النشطة أفضل في معظم الفترات عن أداء المؤشر ككل، مما يعني أن انتهاج استراتيجية نشطة قد أثر إيجاباً في أداء تلك الصناديق. والرسم البياني التالي يوضح النتائج المقارنة لهاتين الدراستين.
مرفق 2-2: مقارنة بين سوق عالي الكفاءة وسوق أقل كفاءة (من مارس 2005 إلى مارس 2008)

هذه النتائج متوقعة إلى حد ما. فكل ما كان السوق يتمتع بسيولة أعلى (أي تداول أكثر) وباحتراف أكبر وبجهات مؤسسية ذات خبرات أوسع وتغطية تحليلية وإعلامية أكبر وبمساواة أكبر في الحصول على المعلومة (كما هو الحال في السوق الأمريكي والعديد من أسواق الدول المتقدمة) تكون المنافسة عالية جداّ مما يزيد السوق كفاءة ويجعل التغلب على المؤشر أمراً صعباً، وبالطبع العكس صحيح (كما هو الحال في السوق السعودي والعديد من الأسواق النامية، بل وحتى في قطاع الشركات الصغيرة في بورصات الدول المتقدمة الأكثر عدداً والأقل تغطية ومنافسة على الاستثمار فيها).
نظراً لما سبق، أمكن القول أن الاستراتيجية الساكنة قد تكون مفضّلة في الأسواق المتطورة وعالية الكفاءة (حيث يحبذ فيها محاكاة المؤشر فحسب)، بينما قد تكون الاستراتيجية النشطة (إما بانتهاجها شخصياً أو بواسطة الاستثمار في صندوق استثماري نشط) ذات جدوى في الأسواق النامية والأقل كفاءة.